محمد بن جرير الطبري
370
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بالواجب له من الحدِّ ، وقد قذفه قاذِفُه وهو عفيفٌ مسلم مُحْصَن ، كفَّارةً للقاذف من ذنبه الذي ركبه ، ومعصيته التي أتاها . وذلك ما لا نعلم قائلا من أهل العلم يقوله . فإذْ كان غير جائز أن يكون تركُ المقذوف = الذي وصفنا أمره = أخذَ قاذفه بالواجب له من الحدّ = كفارةً للقاذف من ذنبه الذي ركبه ، كان كذلك غير جائز أن يكون ترك المجروح أخذَ الجارح بحقِّه من القصاص ، كفَّارةً للجارح من ذنبه الذي ركبه . * * * فإن قال قائل : أوليس للمجروح عندك أخْذُ جارحه بدية جرحه مكانَ القِصاص ؟ قيل له : بلى ! فإن قال : أفرأيت لو اختار الدّية ثم عفا عنها ، أكانت له قِبَله في الآخرة تَبِعةٌ ؟ قيل له : هذا كلام عندنا محالٌ . وذلك أنه لا يكون عندنا مختارًا لديةٍ إلا وهو لها آخذٌ . فأما العفو فإنما هو عفو عن الدم = وقد دللنا على صحة ذلك في موضع غيرِ هذا ، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع ( 1 ) = إلا أن يكون مرادًا بذلك هِبتُها لمن أخذت منه بعد الأخذ . مع أن عفوه عن الدية بعد اختياره إياها لو صَحَّ ، لم يكن في صحة ذلك ما يوجب أن يكون المعفوُّ له عنها بريئًا من عقوبة ذنبه عند الله ; لأن الله تعالى ذكره أوعد قاتلَ المؤمن بما أوعده به إن لم يتُبْ من ذنبه ، والدية مأخوذة منه ، أحبَّ أم سخط . والتوبة من التَائب إنما تكون توبةً إذا اختارها وأرادَها وآثرها على الإصرار . * * * فإن ظنّ ظانّ أن ذلك وإن كان كذلك ، فقد يجب أن يكون له كفارةً ، كما كان القصاص له كفارة ، ( 2 ) فإنَّا إنما جعلنا القِصاص له كفارة = مع ندمه وبَذْله نفسَه لأخذ الحق منها = تنصُّلا من ذنبه ، بخبر النبي صلى الله عليه وسلم .
--> ( 1 ) انظر ما سلف 3 : 371 ، وما قبلها . ( 2 ) في المطبوعة : " كما جاز القصاص " ، وفي المخطوطة " كان " إلا أنه كتب جيما ثم وضع عليها شرطة الكاف ، وأما الحرف الأخير فهو " نون " ، فصحيح قراءته ما أثبت ، وهو حق السياق أيضًا .